Wednesday, June 17, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة

الجزء الخامس : غربة أم غربت ؟

السلام عليكم

كان تلميذ أيام المدارس من عشاق اللغة العربية والمتمكنين من قواعد صرفها ونحوها والمتذوقين لقصائد كبار شعرائها . مرت السنين والأيام وبدأت رحلة الغربة فاكتشف تلميذ أنه نسي الكثير مما أجاده بالأمس ! فلم يعد يذكر أماكن حجز مقاعد الهمزة : متى تصعد على كتف الواو ومتى تتمدد على السطر ومتى تكون مقصورة ! وكأن هناك ما كان يسمى بالأفعال الخمسة ! وهل يعقل أن يذكرني زميل إيراني بكلمة إسمها المشتقات ! وكيف تكتب لم + يروق : لم يروق أو لم يرق ؟ هل تلميذ في حلم أم علم

كانت هذه احدى صدمات الغربة فلم أصدق نفسي نتيجة لهذه الإنتكاسة وشعرت بالخجل والتقصير الشديدين ، فلو كان الأمر قصورا لربما هان ولكنه تقصير مع سبق الإصرار والترصد ، ومما زاد الطين بلة هو تمكني من الكتابة (باستخدام الكمبيوتر) بالإنجليزية بسهولة وعدم تمكني منها بالعربية الا بشق الأنفس

بعد اكتشاف هذه الحالة متأخرا قررت استعادة ما يمكن استعادته من مهارات الأمس عن طريق الرجوع الى بعض الكتب والدروس المتوفرة على الإنترنت بالإضافة الى ما يجود به هذا الكاتب أو ذاك . أما بالنسبة لأميّة الكتابة بالعربية فقد لجأت الى التبرع بالعمل كسكرتيرعند زملاء العمل : فعندما يحتاج أحدهم الى كتابة طلب أو مذكرة بالعربية يتطوع تلميذ للمهمة ، طبعا (لوّعت جبودهم) الى أن تحسّن الوضع ، هذا بالإضافة الى كتابة ما تقع عليه عيناى من مقالات لا لشيء سوى التمرين

الإنجليزي المعرّب : هل هو المصير المحتوم للمغتربين ؟

Min al omoor allati la7athtuha bil ghurbah al kitabah bil 3arabiyyah walakin bi a7ruf engilaiziyyah ! hal to3anoon min qira-at ma aktub mithlama kan tillmeeth yu3anee ayyam el ghurbah (wa fee qowlin akhar: el ‘3urbah)?

ألا يذكّركم الأمر بسعيد صالح عندما كان يقرأ الرسالة في مسرحية (العيال كبرت) ؟ كلما كنت أسأل أصدقاء الغربة عن سبب اللجوء الى هذا المسخ اللغوي كان جوابهم الأشهر هو : ( لوحة المفاتيح أو الكيبورد إنجليزية ، فشلون نكتب بالعربي ؟) . فهل تعتقدون بأن هذا سببا وجيها للكتابة بالإنجليزي المعرّب ؟ من واقع تجربة شخصية أقول لا ، ولكن عذرا لا أستطيع أن أذكر لكم هذه التجربة البسيطة والجميلة حفاظا على الخصوصية

التحدث بالإنجليزية : هل هو نتيجة طبيعية للغربة أم فلسفة (زايدة) ؟

من الأمور التي لاحظتها بالغربة أيضا هي اتخاذ اللغة الإنجليزية كلغة للتواصل بين الطلبة العرب خارج نطاق الجامعة (في المطعم – الباص – الشارع الى آخره) ، فهل من داع لهذا الأمر ؟ وما هو السر ؟ وحسب مشاهدتي فالأمر أوضح بين الطالبات : فكم مرة يمر تلميذ على مجموعة من الطالبات (ذوات السحنة الكويتية مثلا) فيلجأن الى الحديث بالإنجليزية المطعّمة ببعض الكلمات العربية هنا وهناك ؟ هل الموضوع لا إرادي نتيجة الدراسة أو للتمكن أكثر من اللغة الحديثة أو فلسفة زايدة ليس الا ؟

عربية بألوان مختلفة

أتذكر في ما سبق أنه تم استقدام عاملا إيرانيا للعمل في إحدى المحلات في الكويت ، وكان بقية العاملين من الجنسية الهندية ، فطلب منهم رب العمل أن يقوموا بتعليم الإيراني اللغة العربية ، وبعد حوالي الشهر اكتشف رب العمل أن الإيراني تعلّم أوردو بدلا من العربية ببركة زملاءه

في الغربة يحصل ما يشبه الحالة السابقة عندما يكون هناك احتكاك بجنسيات متنوعة ، فتلميذ مثلا اكتسب بعض المفردات الفرنسية والألمانية والأسبانية ، الى هنا والموضوع عادي جدا ، ولكن الجميل أنه تعرّف على الكثير من اللهجات العربية ، فهل يمكن لأحد منكم أن يخبرني عن معاني الكلمات التالية ولأي دولة تنتمي : زرنوﮔ - مزيان – ندير – حكّاكة – ورية – يوسف أفندي – سنطر – جح

لا أنسى أبدا بعض المواقف الطريفة التي مرّت بي في مطبخ المركز الإسلامي ، فأحيانا يكون تلميذ مندمجا بتحضير الوجبة فيطلب من العراقي الذي يقف بجانبه (ﮔﻔﺸﺔ) فيرد العراقي : هاي شنو بعد ؟ فيتذكر أنها تسمى بلهجته خاشوﮔﺔ ، أو يناقش زميله البحراني حول ضرورة وجود البطاط في التشريب ناسيا أن يترجم العبارة الى آلو في الثريد

Ela al liqaa bil juz-a al qadim wal akheer

Saturday, June 6, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة

الجزء الرابع : الحنين الى الجذور
السلام عليكم
حسب مشاهدتي ومعايشتي للمغتربين من شتى الجنسيات ، لاحظت أن هناك شعوبا سهلة الذوبان في مجتمعات الغربة ، بينما هناك شعوب أخرى عصيّة عليه . طبعا المقصود بالذوبان – كما هو واضح – ليس التأقلم مع الوضع الجديد من حيث حسن الإختلاط بمجتمع الغربة ومحاولة مد الجسور مع بعض مؤسساته المدنية والمساهمة في بعض الأنشطة الخيرية التي تعود بالنفع عليه ومراعاة تطبيق القوانين ، إنما المقصود بالذوبان هو التنكر لكل عادات وتقاليد وتراث هذه الجنسيات والحرص الشديد على تشرّب العادات والتقاليد والثقافة الجديدة بحلوها ومرّها

لو سلطنا الضوء على المغتربين العرب مثلا : هل كل عاداتهم وتقاليدهم بالية حتى يتنكروا لها ؟ هل يفتقد تراثهم الى ما هو جميل ويمكن إضافته الى المجتمع الجديد ؟ أجزم بأن الإجابة على كلا السؤالين لا ، إذن لماذا هذه الروح الإنهزامية التي تميّز الكثير منهم ؟

أتساءل أحيانا عن الأسباب والدوافع الحقيقية وراء ضعف المغتربين العرب : هل يعود ذلك الى ضعف شخصياتهم نتيجة التعوّد على امتهانهم في بلدانهم الأم ؟ أو هو من باب (كل من يرى الناس بعين طبعه) ؟ فكما أنهم اعتادوا على الغاء الآخر المختلف في مجتمعاتهم الأصلية فإنهم يعتقدون أن المجتمعات الجديدة ستعاملهم بنفس الطريقة و(النفسية) ؟ فإذن لا بد من إظهار أنهم ليسوا مختلفون

أتذكر مرة أنه تم تنظيم احتفالا بمناسبة سعيدة لأحد الطلبة في احدى الحانات ، وعندما تم اخباري بالأمر باركت للطالب واعتذرت منه لعدم تمكني من الحضور شارحا له بأنني لا أشرب كوني مسلما ولا أستطيع الذهاب الى مثل تلك الأماكن ، فتقبّل صاحب الدعوة اعتذاري برحابة صدر ، وعند مغادرته سارع الي أحد الطلبة العرب وبادرني قائلا : برافو عليك إنّك امتلكت الشجاعة لتصارحه بالأمر ، فعندما وجّهوا لي الدعوة (والكلام له) قبلت ثم بدأت بالبحث عن حجج للتملص والإعتذار عن الحضور في اليوم (الموعود) ، فقلت له وأين الشجاعة في ذلك ؟ ولم كل هذا ؟ فهذا ليس مجتمعا عربيا ، فقط اشرح لهم الأسباب التي تمنعك من المشاركة ثم تقدّم بهدية بسيطة لصاحب المناسبة ، وستجد منه كل التفهم والتقدير ، ولن يفصل أحد رقبتك عن جسدك

من الواضح جدا أن من أسباب وجود الدول العربية في ذيل القائمة العالمية هو بعض العادات والتقاليد البالية التي جاءت نتيجة (التراث) العتيد والتاريخ المزوّر أو المبتور ، ولكن هذا لا يعني أبدا أننا لا نمتلك أي عادات وتقاليد وتراث يصلح للتمسك به وإظهاره للمجتمع الجديد : فهل تظنون بعض التصرفات البسيطة كالوقوف عند تحية شخص ما – مثلا - أمرا مدعاة للخجل ! وهل يعتبر تأجير صالة في الجامعة لإحياء يوم كويتي – مثلا - تعرض فيه بعض الصور القديمة والحديثة وتقدّم فيه بعض المشروبات والأطعمة الكويتية وتعرض فيه بعض الملابس التراثية – كالبشت – وإتاحة الفرصة لمن يرغب بالتصوير به أمرا معيبا ينبغي تجنّبه ! وماذا إذا أخبرك جارك الطاعن بالسن بأن رائحة الطعام القادمة من مطبخ شقتك زكيّة فهل يوجد ما يمنع أو يسبّب لك الخجل في أن تعطيه بعضا من هذا الطعام مع إخباره بأنك تفعل ذلك طبقا لعاداتك الموروثة ! وماذا عن القرقيعان ؟

أتذكر أنه في احدى السنوات كانت أعداد احدى الجاليات الخليجية كبيرة بحيث أنها حصلت على ترخيص لمسيرة أثناء شهر رمضان المبارك للإحتفال بالقرقيعان ، فهل هذا أيضا مدعاة للإنكفاء والتبرؤ

الزبدة : لا يوجد أي تعارض بين محاولة الإستفادة من ثقافة المجتمع الجديد وعدم تفويت الفرصة باستبدال بعض القيم والأفكار البالية من جهة ، ومن جهة أخرى الحرص على كل ما هو جميل وعلى كل ما يفتقده مجتمع الغربة الغارق في المادية . تكلّم عن أفكارك بحرية ولا تخجل منها ، وإن كنت ممن حباهم الله بخط جميل فلا تتردد بكتابة بعض الحكم والأشعار – مثلا – واعرضها على الآخرين واشرح لهم معانيها ، وإن كانت لديك القدرة المادية فلا تتردد في جلب بعض الأمور التراثية من بلدك (دلة القهوة – سدو – حلويات ...الى آخره) واعرضها على الآخرين ، وإن أسعفتك لغتك الجديدة فلا مانع من أن تشرح لهم بعض الجمل والمصطلحات العربية : أخبرهم بأنك تبدأ كل أعمالك ب (بسم الله الرحمن الرحيم) واشرح لهم معناها ، علّمهم تحيّتك الرسمية (السلام عليكم) وردّها (وعليكم السلام) مع توضيح المعنى ، أخبرهم بأن عطلتك الرسمية في بلدك هو يوم الجمعة واشرح لهم الأسباب ، اذكر لهم بعض من تفتخر بانتسابك لهم : فهذا إمامك علي بن أبي طالب - عليه السلام – خير مثال : اشرح لهم بعض ما ورد عنه مثل عهده لمالك الأشتر النخعي – عليه السلام – حين ولاه على مصر، ومثل بعض روائع حكمه وكلماته ، وإن دار حديث عن الأولاد والمشاكل التي يتسببون بها لوالديهم فاذكر لهم بعض الآيات والأحاديث التي تبيّن مكانة الأم والأب طبقا لمعتقداتك

لا تفوّت مثل هذه الفرصة الذهبية فربّما لن تسنح لك أخرى ، وسترجع الى بلدك بعد التخرج بإذن الله ، ولاحق على تكسير المجاديف