الجزء الرابع : الحنين الى الجذور
السلام عليكم
حسب مشاهدتي ومعايشتي للمغتربين من شتى الجنسيات ، لاحظت أن هناك شعوبا سهلة الذوبان في مجتمعات الغربة ، بينما هناك شعوب أخرى عصيّة عليه . طبعا المقصود بالذوبان – كما هو واضح – ليس التأقلم مع الوضع الجديد من حيث حسن الإختلاط بمجتمع الغربة ومحاولة مد الجسور مع بعض مؤسساته المدنية والمساهمة في بعض الأنشطة الخيرية التي تعود بالنفع عليه ومراعاة تطبيق القوانين ، إنما المقصود بالذوبان هو التنكر لكل عادات وتقاليد وتراث هذه الجنسيات والحرص الشديد على تشرّب العادات والتقاليد والثقافة الجديدة بحلوها ومرّها
لو سلطنا الضوء على المغتربين العرب مثلا : هل كل عاداتهم وتقاليدهم بالية حتى يتنكروا لها ؟ هل يفتقد تراثهم الى ما هو جميل ويمكن إضافته الى المجتمع الجديد ؟ أجزم بأن الإجابة على كلا السؤالين لا ، إذن لماذا هذه الروح الإنهزامية التي تميّز الكثير منهم ؟
أتساءل أحيانا عن الأسباب والدوافع الحقيقية وراء ضعف المغتربين العرب : هل يعود ذلك الى ضعف شخصياتهم نتيجة التعوّد على امتهانهم في بلدانهم الأم ؟ أو هو من باب (كل من يرى الناس بعين طبعه) ؟ فكما أنهم اعتادوا على الغاء الآخر المختلف في مجتمعاتهم الأصلية فإنهم يعتقدون أن المجتمعات الجديدة ستعاملهم بنفس الطريقة و(النفسية) ؟ فإذن لا بد من إظهار أنهم ليسوا مختلفون
أتذكر مرة أنه تم تنظيم احتفالا بمناسبة سعيدة لأحد الطلبة في احدى الحانات ، وعندما تم اخباري بالأمر باركت للطالب واعتذرت منه لعدم تمكني من الحضور شارحا له بأنني لا أشرب كوني مسلما ولا أستطيع الذهاب الى مثل تلك الأماكن ، فتقبّل صاحب الدعوة اعتذاري برحابة صدر ، وعند مغادرته سارع الي أحد الطلبة العرب وبادرني قائلا : برافو عليك إنّك امتلكت الشجاعة لتصارحه بالأمر ، فعندما وجّهوا لي الدعوة (والكلام له) قبلت ثم بدأت بالبحث عن حجج للتملص والإعتذار عن الحضور في اليوم (الموعود) ، فقلت له وأين الشجاعة في ذلك ؟ ولم كل هذا ؟ فهذا ليس مجتمعا عربيا ، فقط اشرح لهم الأسباب التي تمنعك من المشاركة ثم تقدّم بهدية بسيطة لصاحب المناسبة ، وستجد منه كل التفهم والتقدير ، ولن يفصل أحد رقبتك عن جسدك
من الواضح جدا أن من أسباب وجود الدول العربية في ذيل القائمة العالمية هو بعض العادات والتقاليد البالية التي جاءت نتيجة (التراث) العتيد والتاريخ المزوّر أو المبتور ، ولكن هذا لا يعني أبدا أننا لا نمتلك أي عادات وتقاليد وتراث يصلح للتمسك به وإظهاره للمجتمع الجديد : فهل تظنون بعض التصرفات البسيطة كالوقوف عند تحية شخص ما – مثلا - أمرا مدعاة للخجل ! وهل يعتبر تأجير صالة في الجامعة لإحياء يوم كويتي – مثلا - تعرض فيه بعض الصور القديمة والحديثة وتقدّم فيه بعض المشروبات والأطعمة الكويتية وتعرض فيه بعض الملابس التراثية – كالبشت – وإتاحة الفرصة لمن يرغب بالتصوير به أمرا معيبا ينبغي تجنّبه ! وماذا إذا أخبرك جارك الطاعن بالسن بأن رائحة الطعام القادمة من مطبخ شقتك زكيّة فهل يوجد ما يمنع أو يسبّب لك الخجل في أن تعطيه بعضا من هذا الطعام مع إخباره بأنك تفعل ذلك طبقا لعاداتك الموروثة ! وماذا عن القرقيعان ؟
أتذكر أنه في احدى السنوات كانت أعداد احدى الجاليات الخليجية كبيرة بحيث أنها حصلت على ترخيص لمسيرة أثناء شهر رمضان المبارك للإحتفال بالقرقيعان ، فهل هذا أيضا مدعاة للإنكفاء والتبرؤ
الزبدة : لا يوجد أي تعارض بين محاولة الإستفادة من ثقافة المجتمع الجديد وعدم تفويت الفرصة باستبدال بعض القيم والأفكار البالية من جهة ، ومن جهة أخرى الحرص على كل ما هو جميل وعلى كل ما يفتقده مجتمع الغربة الغارق في المادية . تكلّم عن أفكارك بحرية ولا تخجل منها ، وإن كنت ممن حباهم الله بخط جميل فلا تتردد بكتابة بعض الحكم والأشعار – مثلا – واعرضها على الآخرين واشرح لهم معانيها ، وإن كانت لديك القدرة المادية فلا تتردد في جلب بعض الأمور التراثية من بلدك (دلة القهوة – سدو – حلويات ...الى آخره) واعرضها على الآخرين ، وإن أسعفتك لغتك الجديدة فلا مانع من أن تشرح لهم بعض الجمل والمصطلحات العربية : أخبرهم بأنك تبدأ كل أعمالك ب (بسم الله الرحمن الرحيم) واشرح لهم معناها ، علّمهم تحيّتك الرسمية (السلام عليكم) وردّها (وعليكم السلام) مع توضيح المعنى ، أخبرهم بأن عطلتك الرسمية في بلدك هو يوم الجمعة واشرح لهم الأسباب ، اذكر لهم بعض من تفتخر بانتسابك لهم : فهذا إمامك علي بن أبي طالب - عليه السلام – خير مثال : اشرح لهم بعض ما ورد عنه مثل عهده لمالك الأشتر النخعي – عليه السلام – حين ولاه على مصر، ومثل بعض روائع حكمه وكلماته ، وإن دار حديث عن الأولاد والمشاكل التي يتسببون بها لوالديهم فاذكر لهم بعض الآيات والأحاديث التي تبيّن مكانة الأم والأب طبقا لمعتقداتك
لا تفوّت مثل هذه الفرصة الذهبية فربّما لن تسنح لك أخرى ، وسترجع الى بلدك بعد التخرج بإذن الله ، ولاحق على تكسير المجاديف
لو سلطنا الضوء على المغتربين العرب مثلا : هل كل عاداتهم وتقاليدهم بالية حتى يتنكروا لها ؟ هل يفتقد تراثهم الى ما هو جميل ويمكن إضافته الى المجتمع الجديد ؟ أجزم بأن الإجابة على كلا السؤالين لا ، إذن لماذا هذه الروح الإنهزامية التي تميّز الكثير منهم ؟
أتساءل أحيانا عن الأسباب والدوافع الحقيقية وراء ضعف المغتربين العرب : هل يعود ذلك الى ضعف شخصياتهم نتيجة التعوّد على امتهانهم في بلدانهم الأم ؟ أو هو من باب (كل من يرى الناس بعين طبعه) ؟ فكما أنهم اعتادوا على الغاء الآخر المختلف في مجتمعاتهم الأصلية فإنهم يعتقدون أن المجتمعات الجديدة ستعاملهم بنفس الطريقة و(النفسية) ؟ فإذن لا بد من إظهار أنهم ليسوا مختلفون
أتذكر مرة أنه تم تنظيم احتفالا بمناسبة سعيدة لأحد الطلبة في احدى الحانات ، وعندما تم اخباري بالأمر باركت للطالب واعتذرت منه لعدم تمكني من الحضور شارحا له بأنني لا أشرب كوني مسلما ولا أستطيع الذهاب الى مثل تلك الأماكن ، فتقبّل صاحب الدعوة اعتذاري برحابة صدر ، وعند مغادرته سارع الي أحد الطلبة العرب وبادرني قائلا : برافو عليك إنّك امتلكت الشجاعة لتصارحه بالأمر ، فعندما وجّهوا لي الدعوة (والكلام له) قبلت ثم بدأت بالبحث عن حجج للتملص والإعتذار عن الحضور في اليوم (الموعود) ، فقلت له وأين الشجاعة في ذلك ؟ ولم كل هذا ؟ فهذا ليس مجتمعا عربيا ، فقط اشرح لهم الأسباب التي تمنعك من المشاركة ثم تقدّم بهدية بسيطة لصاحب المناسبة ، وستجد منه كل التفهم والتقدير ، ولن يفصل أحد رقبتك عن جسدك
من الواضح جدا أن من أسباب وجود الدول العربية في ذيل القائمة العالمية هو بعض العادات والتقاليد البالية التي جاءت نتيجة (التراث) العتيد والتاريخ المزوّر أو المبتور ، ولكن هذا لا يعني أبدا أننا لا نمتلك أي عادات وتقاليد وتراث يصلح للتمسك به وإظهاره للمجتمع الجديد : فهل تظنون بعض التصرفات البسيطة كالوقوف عند تحية شخص ما – مثلا - أمرا مدعاة للخجل ! وهل يعتبر تأجير صالة في الجامعة لإحياء يوم كويتي – مثلا - تعرض فيه بعض الصور القديمة والحديثة وتقدّم فيه بعض المشروبات والأطعمة الكويتية وتعرض فيه بعض الملابس التراثية – كالبشت – وإتاحة الفرصة لمن يرغب بالتصوير به أمرا معيبا ينبغي تجنّبه ! وماذا إذا أخبرك جارك الطاعن بالسن بأن رائحة الطعام القادمة من مطبخ شقتك زكيّة فهل يوجد ما يمنع أو يسبّب لك الخجل في أن تعطيه بعضا من هذا الطعام مع إخباره بأنك تفعل ذلك طبقا لعاداتك الموروثة ! وماذا عن القرقيعان ؟
أتذكر أنه في احدى السنوات كانت أعداد احدى الجاليات الخليجية كبيرة بحيث أنها حصلت على ترخيص لمسيرة أثناء شهر رمضان المبارك للإحتفال بالقرقيعان ، فهل هذا أيضا مدعاة للإنكفاء والتبرؤ
الزبدة : لا يوجد أي تعارض بين محاولة الإستفادة من ثقافة المجتمع الجديد وعدم تفويت الفرصة باستبدال بعض القيم والأفكار البالية من جهة ، ومن جهة أخرى الحرص على كل ما هو جميل وعلى كل ما يفتقده مجتمع الغربة الغارق في المادية . تكلّم عن أفكارك بحرية ولا تخجل منها ، وإن كنت ممن حباهم الله بخط جميل فلا تتردد بكتابة بعض الحكم والأشعار – مثلا – واعرضها على الآخرين واشرح لهم معانيها ، وإن كانت لديك القدرة المادية فلا تتردد في جلب بعض الأمور التراثية من بلدك (دلة القهوة – سدو – حلويات ...الى آخره) واعرضها على الآخرين ، وإن أسعفتك لغتك الجديدة فلا مانع من أن تشرح لهم بعض الجمل والمصطلحات العربية : أخبرهم بأنك تبدأ كل أعمالك ب (بسم الله الرحمن الرحيم) واشرح لهم معناها ، علّمهم تحيّتك الرسمية (السلام عليكم) وردّها (وعليكم السلام) مع توضيح المعنى ، أخبرهم بأن عطلتك الرسمية في بلدك هو يوم الجمعة واشرح لهم الأسباب ، اذكر لهم بعض من تفتخر بانتسابك لهم : فهذا إمامك علي بن أبي طالب - عليه السلام – خير مثال : اشرح لهم بعض ما ورد عنه مثل عهده لمالك الأشتر النخعي – عليه السلام – حين ولاه على مصر، ومثل بعض روائع حكمه وكلماته ، وإن دار حديث عن الأولاد والمشاكل التي يتسببون بها لوالديهم فاذكر لهم بعض الآيات والأحاديث التي تبيّن مكانة الأم والأب طبقا لمعتقداتك
لا تفوّت مثل هذه الفرصة الذهبية فربّما لن تسنح لك أخرى ، وسترجع الى بلدك بعد التخرج بإذن الله ، ولاحق على تكسير المجاديف
أنت محق أخي العزيز في كل ما ذكرت
ReplyDeleteو سلمت يداك على ما خطتا
هناك أسباب سيكولوجية تتعلق بالجمود الذي تعيشه الشعوب العربية، حالة الخذلان و الإنكسار التي تتولد داخل كيان الإنسان تجعله ينكمش بمجرد ظهور أي من الأمور التي قد تذكره بمجتمعه الأصلي لأنها دائما ذات بعد سياسي و ليس اجتماعي بحت
فالدشداشة و اللحية مثلا صورة للإرهابي و بالتالي تجد الكثيرين يتجنبونها
الكلام يطول و لكن جمعك له في هذه التوليفة و صياغته بتلك الصورة كان أكثر من موفق
إي و الله و لاحق على تكسير المجاديف
أعاننا الله و إياكم على ما قد يكسرها
دمت و الأهل و الأحبو برعاية الله
شعوبنا تفتقد للتفكير الإيجابي لأنها تربت على السلبية، هذه السلبية منبعها من البيت قبل المجتمع و قبل السلطة
ReplyDeleteفي أحد الأبيات الطريفة لأحمد مطر يقول
قال لزوجه: اسكتي.
و قال لابنه: انكتم.
صوتكما يجعلني مشوش التفكير.
لا تنبسا بكلمةٍ أريد أن أكتب عن حرية التعبير
و هذا الحال المتوارث يولد نوع من الإنهزامية في نفوس الأبناء تجاه الآخرين ، و هذه السلبية ينقلها معه إلى تلك المجتمعات فيصاب بعقدة (التولع بالغالب)كما سماها ابن خلدون
مفتاح الحل هو بإيجاد الشخصية الذاتية قبل تكوين الشخصية الاجتماعية
في الولايات المتحدة تعجبت من قدرة الأطفال على إلقاء الخطابات العفوية من فوق المسارح و أمام عشرات الحاضرين .. عندنا لا نستطيع أن ننبس ببنت شفة! و السبب هو حالة الانهزامية التي حملناها من بيوتنا
عندما عجز الآخرون من فرض سلطتهم خارج اسوار بيوتهم مارسوها بكل طغيان داخلها فأولدوا هذه المفاهيم المشوهة
لأنه يرى في نفسه عدم القدرة و يرى في غيره القدرة ، فينقلب ميزانه إلى تولع به لأنه يعوضه عن شعور النقص الذي يشعر به
و بس :) ...
بومحمد
ReplyDelete------
اقتباس : (فالدشداشة واللحية مثلا صورة للإرهابي وبالتالي تجد الكثيرين يتجنبونها) . انتهى
شكرا لتذكيري بهذه النقطة التي غابت عن ذهني حين كتابة الموضوع
فعلا فنحن ببعض أفعالنا ساهمنا في رسم هذه الصورة السيئة عنا ، ولذا نجد الكثير منا يتجنب ما يرمز الى تلك الصورة
=====
سفيد
----
كل هذا وبعدين تقول وبس
:o)
أما بالنسبة ل (التولع بالغالب) فالغريب أن الشعوب الغربية لديها فضول للتعرف على عادات وتقاليد وتراث الآخرين وتستسيغ الكثير من الفنون الغريبة عليها ومع ذلك يصر (ربعنا) على تقليد مشية الحمامة
وأما بالنسبة للخطابة العفوية فالمسألة نسبية : فالمصريون مثلا معروفون بتلك الخصلة ، وأما (ربعنا) فعليه العوض ومنه العوض ، ولكن رغم ذلك ومن واقع تجربة شخصية أجزم بأن هذه المسألة يمكن اكتسابها ولو متأخرا ، فمحسوبك لا يفقه شيئا في علم النفس ولكن حسب تجربتي هي تعتمد على أن تقنع نفسك بمجموعة من المقدمات وبعدها ستبلي بلاء حسنا
لازلت أتذكر أول مرة طلب مني القاء محاضرة قصيرة (أيام المراهقة) ، ونتيجة للإعداد السيء والخوف من خوض التجربة فلم يفبض مني المستمعون المساكين لا حق ولا باطل
:o)
عندي صديق عزيز وهو فنان وخطاط
ReplyDeleteوكان يوقع أعماله أحيانا بلقب التلميذ
وله مشاركات قديمة في أحد المنتديات وله طرح عميق وشيق كالذي نشاهده هنا في هذه المدونة الرائعة ولكن كان يستخدم معرف اخر وليس التلميذ.
I wonder
ان كان هناك علاقة بين تلميذ والتلميذ
تحياتي
صلاح
ReplyDelete---
شكرا جزيلا على الإطراء
وأما بالنسبة لوندرك
ف فور شور تلميذ ليس التلميذ الذي تعرفه لأن تلميذ خطّه أقشر وغير محسوب على أي نوع من أنواع الخط العربي المعروفة ، وأما الرسم فتلامذة الإبتدائي يطلعون أساتذة على تلميذ
:o)
ومرحبا بك