Wednesday, May 20, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة


الجزء الثالث : مطبخ الغربة


السلام عليكم

كتب هذا الجزء بمناسبة إعادة تشكيل (السَلَطة) التشريعية والتي تتكون بدورها من عدة لجان أو ما يطلق عليها مطبخ المجلس

لو سألني سائل : هل تعلمت أثناء الغربة أمورا أخرى الى جانب الدراسة ؟ فسيكون الجواب : طبعا ، وعلى رأس القائمة الطباخ

لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن أكوّن علاقة مع المطبخ ! فأيام زمان كانت كل خبراتي المطبخية مقتصرة على خبز وجبن وطماط ، وإذا تهوّرت وبعتها بيض مغلي ! ولم يدر بمخيلتي يوما من الأيام أن أحيط علما بأنواع القدور والبهارات والملاليس ، ولكن دوام الحال من المحال

قادني حظي السعيد للإقامة مع صديق عزيز لمدة معينة ، فتم الإتفاق معه على أن يعطيني دورة تدريبية لمدة إسبوع تقريبا في أساسيات الطباخ : يوم يقتصر فيه دوري على المتابعة وتسجيل الملاحظات والأعمال الشاقة (تقطيع البصل وغسيل الأواني) ، ويوم أستلم فيه دفة القيادة (يعني أجرّب مهاراتي الغذائية في المسكين) ، وكانت هذه الدورة هي الشرارة التي أخرجت المارد من القمقم

بعد نهاية هذه الدورة التدريبية القصيرة في مدتها لكن الغنية في محتواها كانت الوجبات التي تم اجتيازها بنجاح عبارة عن : عيش ودجاج ، عيش ولحم ، دقوس ، وحشو . بعد ذلك انفتحت الشهية لتلقي دورات خارجية مكملة ، فتمت الإستعانة بأحد الخبراء المخضرمين بعلوم المطبخ وأسراره للتعرف على طريقة طبخ العدس ومشتقاته (شوربة) . صحيح أنه الى هنا والمسألة محلية (على مستوى البيت فقط) ، ولكنها في نفس الوقت كانت نقطة الإنطلاقة الى العالمية بتشجيع من بعض الشباب للمساعدة في إعداد وجبات داخل مطبخ المركز الإسلامي ، وهي تجربة ولا بالأحلام ! فمن البيض والجبن والطماط لشخص واحد الى عيش (وفي قول آخر إسمه رز أو تمّن أو بِرِنْجْ) ودجاج و لحم وشوربة عدس للمئات من الأشخاص

ولأن تلميذ يؤمن بالتخصص ، فقد تخصّص بعد ذلك في علوم شوربة العدس ، حيث كان عنوان رسالته : المقادير والظروف المثلى لأشهى شوربة عدس ، وقد تم على أثره منح تلميذ درجة الدكتوراه الفخرية بشهادة (الداخلية) ولله الحمد والمنة . طبعا هذه الدكتوراه الفخرية ليست بلا ثمن ، فعلى أثر تخصص تلميذ الغذائي تم تكليفه في احدى المرات (من خلف الكواليس) من قبل الداخلية (مجبر أخاك لا بطل) لإعداد الشوربة ، يعني باختصار : كان يومها الجندي المجهول

يقال : مصائب قوم عند قوم فوائد ، لكن هل يمكن أن تنعكس الآية فتصبح : فوائد قوم عند قوم مصائب ؟ نعم يمكن ذلك ، فعلى الرغم من أن انفتاح تلميذ على ثقافة المطبخ أفادت الداخلية من جانب ، ولكنها تسببت لها بالضرر من جانب آخر ، فعندما كان تلميذ (العليمي) يستشار بخصوص رأيه في وجبة لم تعجبه ، لم يكن يستطيع أن يعبّر عن رأيه بوضوح ، ويكتفي بدلا من ذلك بقول : في شي غلط في الوجبة ، شنو ما أدري ! (يا غافلين لكم الله) ، أما عند استشارة تلميذ (المثقف) الآن فهويستطيع الكشف بسهولة عن مكامن الخلل في الوجبة : (الكمون ناقص ، معجون الطماط زايد ، الى آخر السلبيات) ، وعندها ترمقني الداخلية بنظرة قائلة : مو شي إذا الريال يفهم بالطباخ ، يا زينك قبل

نصيحة لكل الطلبة الذين هم على أبواب الغربة : استغلوا فترة ما قبل شد الرحال لتعلم أبجديات الطباخ من أسركم لأنكم ستحتاجوها فيما بعد ، هذا بالإضافة الى أن الطالب الملم بمهارات الطباخ يصبح أوتوماتيكيا الرقم الصعب بين أقرانه من باب الإنجعال
الله يوفق إخواننا المغتربين ويرجعهم سالمين غانمين الى الموائد العامرة

Sunday, May 10, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة

الجزء الثاني : هل يمكن للجوع أن يهذب الأنفس والأفكار ؟

السلام عليكم

من الأمور التي لا أنساها في صباي أنني عندما كنت أحضر بعض المناسبات الدينية كوفيّات أهل البيت - عليهم السلام - كنت أنظر الى بعض الصبية الأجانب بازدراء نتيجة اندفاعهم نحو العشاء ، فالهدف من المشاركة كما أفهم هو تقديم العزاء لأهل البيت - عليهم السلام - وتحصيل الثواب ، وقد استمرت هذه النظرة لسنوات طويلة الى أن ابتدأ امتحان الغربة

بعد فترة من تجربة الغربة بدأت هذه النظرة السلبية تتغيّر شيئا فشيئا ، كيف ذلك ؟

كنت أعود أحيانا من الجامعة متأخرا تعبا جائعا ويضطرني ضيق الوقت للذهاب مباشرة الى أحد المراكز الإسلامية للمشاركة في المناسبات الدينية ، وغالبا ما يعقب هذه المناسبات وجبة عشاء تكون من إعداد أبناء الجالية العراقية أو الإيرانية أو غيرهما ، عندها فقط عرفت شعور الصبية الذين كنت أزدريهم ، وانتبهت الى أمر غاب عني طوال سنوات : فصحيح أن (المؤمن لا يغلبه فرجه ولا يفضحه بطنه) كما يقول الإمام الصادق - عليه السلام - ولكن هذا لا ينافي تقدير وضع الإنسان المرهق الجائع وخصوصا الذي لا يعرف إن كان سيحصل على ما يسد رمقه أو لا ، ولا ينافي الرحمة بذلك الجائع ، وخصوصا أنني نسيت بأني من أسرة حباها الله تعالى بمختلف النعم ، وأنه لا يوجد في قاموسي كلمة جوع ، فكل الطلبات مجابة ، ولكن ماذا عن هؤلاء الصبية الفقراء ؟ وخصوصا أنهم مجرّد صبية ربما لم تتجاوز أعمارهم آنذاك الثانية عشر

والشيء بالشيء يذكر ، فأعرف إحدى العوائل التي اعتادت على إعداد الوجبات أثناء المناسبات الدينية والإعلان عنها في مسجد المنطقة (المعروفة بكثرة الوافدين فيها) ، وبنظرة سريعة على رواد البيت أثناء تلك الدعوات المفتوحة ، تكتشف بأن غالبية الحضور هم من الوافدين المساكين ، وعندما كنت أناقش أحد أفراد هذه العائلة الكريمة كنت أقول بأنه لهو أمر عظيم وسبب في أن تحل البركة على هذا البيت ، فكم هو جميل أن يكون أغلب المستفيدين من هذه الدعوات المفتوحة من لا تنتظر أصواتهم الإنتخابية ، وليس بينهم مفاتيح انتخابية ، وكم هو رائع أن لا تكون تلك الدعوات على علاقة بطلب الوجاهة لا من قريب ولا من بعيد ، ويا له من حظ عظيم أن يدعو لك من لا ترجو منه واسطة ولا ترقية . صحيح أن الكثير من هؤلاء العمال لهم القدرة على سد رمقهم ، ولكن صدقوني أن تجدوا وجبة شهية جاهزة بعد يوم طويل مضني وأنتم غرباء عن وطنكم أمر آخر لن تحسوا به الا عندما تعيشوا التجربة بأنفسكم

كم أتمنى من الله – عز وجل – أن تسود مثل هذه العادات الحميدة في كل أنحاء بلدنا عل وعسى تغسل ذنوبنا وتكون سببا في حل البركة علينا وعلى وطننا الذي امتلأ بكل ما يسلبها

والى اللقاء في الجزء الثالث