Friday, July 3, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة


الجزء السادس والأخير : استراحة المحارب

السلام عليكم

حين العودة الى الكويت أثناء مواسم الإجازات ، يكون الجدول عادة مزدحما بحيث تتحوّل الإجازة الى زيارة عمل ، فالهدف دائما هو إصابة ما أمكن من العصافير التالية بحجر واحد

العصفور الأول : زيارة الأرحام والأصدقاء

يقول صلى الله عليه وآله و سلم :
صلوا أرحامكم ولو بالسلام

في الواقع أن هذا البند من الزيارة يستغرق الكثير من الوقت والجهد ، ولكن بطبيعة الحال (مو حسافة) لأنه يؤدي ولو حقا بسيطا من حقوق الأهل والأحبة ، ويعوّض الجانب الإجتماعي المفقود طوال السنة ، ويشحن النفس بعد أن تستنفذ الغربة جل طاقتها . هنا تختلط المشاعر وتضطرب : فالفرحة للقائهم بعد انقطاع تشوبها الحسرة عندما تفوتك فترة الطفولة للكثير من أبناء العائلة ، والسعادة للعودة الى الحياة الإجتماعية يعكّر صفوّها تغيّر بعض النفوس والأفكار

العصفور الثاني : الصلاة في المساجد

من الأمور التي أحرص عليها في الإجازات هي الصلاة في المساجد ما أمكن لأنني أعرف تماما أنني سأفتقدها بعد انقضاء الإجازة ، أحيانا تدمع العين عندما أدخل المسجد الذي تعوّدت فيه الصلاة ، فهي تعمل كالرادار محاولة استرجاع ذكريات المراهقة التي قضيتها فيه وما أكثرها ، فبعضها مرتبط بالعلاقة مع إمام المسجد حفظه الله ، وبعضها مرتبط بأصدقاء المراهقة وبعضها مرتبط بمن كان له فضل كبير على تلميذ

العصفور الثالث : شراء بعض الحاجيات اللازمة للغربة (ﭵﯿﻞ الغربة

من الطبيعي هناك الكثير من الحاجيات التي يفتقدها الطالب في غربته من مأكولات وعطورات شرقية وغيرهما . أيام زمان كان تلميذ لا يطيق الأسواق القديمة (الغربلي – السلاح – المباركية – سوق السمك وغيرهم) ، ولا يزورها الا عند الضرورة القصوى ، ولكن لا أعلم السر في تغيّر تلميذ بعد الغربة بحيث صار (حلي) ! لا يتصوّر أحد كم تبلغ سعادته عندما يتجوّل في أرجاء سوق المباركية اليوم ، ولا مقدار الفرحة العارمة عندما يزور بقالات الشويخ ، ولا شوقه لزيارة سوق الجمعة . كلما عاد في الإجازة يكون حديث الناس عن المجمّعات الجديدة والمطاعم الحديثة ، بينما يكون اهتمام تلميذ منصبّا ناحية الأسواق التقليدية والدرابيل وكعك بو سفينة وسندويشات البطاط المدوّر انتاج بدر البدور

العصفور الرابع : زيارة من رحل عنّا

من الأمور الأخرى التي أحرص عليها قدر المستطاع في كل إجازة زيارة المقبرة لتأدية بعض حقوق من رحلوا عنّا : هناك حيث تتجدّد الذكريات ويعرف تلميذ قيمته ومصيره جيدا ، فهذا قبر زميل الدراسة الشاب اليافع الوسيم وهذا قبر جارتي العجوز (صاحبة الفضل علي) وابنتها وهذا قبر جاري وهنا قبر عمّي وهنا قبر نسيبي ، هل يتخيّل أحدكم المشاعر حين يودّع قريبا له قبل الغربة فيعود فلا يجد سوى شاهد قبره ليقبّله ؟ تعود فلا يكون بإمكانك فعل أي شيء سوى الدعاء وقراءة الفاتحة على روحه ، فرحم الله موتانا وموتاكم ورزقنا وإياكم حسن العاقبة

ملاحظة : كان من المفيد أن أضيف لهذه السلسلة بعض ذكريات الغربة ، ولكني امتنعت عن ذلك حفاظا على الخصوصية وحتى لا يكشف القناع مبكر
ا
========
مصدر الصورة

Wednesday, June 17, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة

الجزء الخامس : غربة أم غربت ؟

السلام عليكم

كان تلميذ أيام المدارس من عشاق اللغة العربية والمتمكنين من قواعد صرفها ونحوها والمتذوقين لقصائد كبار شعرائها . مرت السنين والأيام وبدأت رحلة الغربة فاكتشف تلميذ أنه نسي الكثير مما أجاده بالأمس ! فلم يعد يذكر أماكن حجز مقاعد الهمزة : متى تصعد على كتف الواو ومتى تتمدد على السطر ومتى تكون مقصورة ! وكأن هناك ما كان يسمى بالأفعال الخمسة ! وهل يعقل أن يذكرني زميل إيراني بكلمة إسمها المشتقات ! وكيف تكتب لم + يروق : لم يروق أو لم يرق ؟ هل تلميذ في حلم أم علم

كانت هذه احدى صدمات الغربة فلم أصدق نفسي نتيجة لهذه الإنتكاسة وشعرت بالخجل والتقصير الشديدين ، فلو كان الأمر قصورا لربما هان ولكنه تقصير مع سبق الإصرار والترصد ، ومما زاد الطين بلة هو تمكني من الكتابة (باستخدام الكمبيوتر) بالإنجليزية بسهولة وعدم تمكني منها بالعربية الا بشق الأنفس

بعد اكتشاف هذه الحالة متأخرا قررت استعادة ما يمكن استعادته من مهارات الأمس عن طريق الرجوع الى بعض الكتب والدروس المتوفرة على الإنترنت بالإضافة الى ما يجود به هذا الكاتب أو ذاك . أما بالنسبة لأميّة الكتابة بالعربية فقد لجأت الى التبرع بالعمل كسكرتيرعند زملاء العمل : فعندما يحتاج أحدهم الى كتابة طلب أو مذكرة بالعربية يتطوع تلميذ للمهمة ، طبعا (لوّعت جبودهم) الى أن تحسّن الوضع ، هذا بالإضافة الى كتابة ما تقع عليه عيناى من مقالات لا لشيء سوى التمرين

الإنجليزي المعرّب : هل هو المصير المحتوم للمغتربين ؟

Min al omoor allati la7athtuha bil ghurbah al kitabah bil 3arabiyyah walakin bi a7ruf engilaiziyyah ! hal to3anoon min qira-at ma aktub mithlama kan tillmeeth yu3anee ayyam el ghurbah (wa fee qowlin akhar: el ‘3urbah)?

ألا يذكّركم الأمر بسعيد صالح عندما كان يقرأ الرسالة في مسرحية (العيال كبرت) ؟ كلما كنت أسأل أصدقاء الغربة عن سبب اللجوء الى هذا المسخ اللغوي كان جوابهم الأشهر هو : ( لوحة المفاتيح أو الكيبورد إنجليزية ، فشلون نكتب بالعربي ؟) . فهل تعتقدون بأن هذا سببا وجيها للكتابة بالإنجليزي المعرّب ؟ من واقع تجربة شخصية أقول لا ، ولكن عذرا لا أستطيع أن أذكر لكم هذه التجربة البسيطة والجميلة حفاظا على الخصوصية

التحدث بالإنجليزية : هل هو نتيجة طبيعية للغربة أم فلسفة (زايدة) ؟

من الأمور التي لاحظتها بالغربة أيضا هي اتخاذ اللغة الإنجليزية كلغة للتواصل بين الطلبة العرب خارج نطاق الجامعة (في المطعم – الباص – الشارع الى آخره) ، فهل من داع لهذا الأمر ؟ وما هو السر ؟ وحسب مشاهدتي فالأمر أوضح بين الطالبات : فكم مرة يمر تلميذ على مجموعة من الطالبات (ذوات السحنة الكويتية مثلا) فيلجأن الى الحديث بالإنجليزية المطعّمة ببعض الكلمات العربية هنا وهناك ؟ هل الموضوع لا إرادي نتيجة الدراسة أو للتمكن أكثر من اللغة الحديثة أو فلسفة زايدة ليس الا ؟

عربية بألوان مختلفة

أتذكر في ما سبق أنه تم استقدام عاملا إيرانيا للعمل في إحدى المحلات في الكويت ، وكان بقية العاملين من الجنسية الهندية ، فطلب منهم رب العمل أن يقوموا بتعليم الإيراني اللغة العربية ، وبعد حوالي الشهر اكتشف رب العمل أن الإيراني تعلّم أوردو بدلا من العربية ببركة زملاءه

في الغربة يحصل ما يشبه الحالة السابقة عندما يكون هناك احتكاك بجنسيات متنوعة ، فتلميذ مثلا اكتسب بعض المفردات الفرنسية والألمانية والأسبانية ، الى هنا والموضوع عادي جدا ، ولكن الجميل أنه تعرّف على الكثير من اللهجات العربية ، فهل يمكن لأحد منكم أن يخبرني عن معاني الكلمات التالية ولأي دولة تنتمي : زرنوﮔ - مزيان – ندير – حكّاكة – ورية – يوسف أفندي – سنطر – جح

لا أنسى أبدا بعض المواقف الطريفة التي مرّت بي في مطبخ المركز الإسلامي ، فأحيانا يكون تلميذ مندمجا بتحضير الوجبة فيطلب من العراقي الذي يقف بجانبه (ﮔﻔﺸﺔ) فيرد العراقي : هاي شنو بعد ؟ فيتذكر أنها تسمى بلهجته خاشوﮔﺔ ، أو يناقش زميله البحراني حول ضرورة وجود البطاط في التشريب ناسيا أن يترجم العبارة الى آلو في الثريد

Ela al liqaa bil juz-a al qadim wal akheer

Saturday, June 6, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة

الجزء الرابع : الحنين الى الجذور
السلام عليكم
حسب مشاهدتي ومعايشتي للمغتربين من شتى الجنسيات ، لاحظت أن هناك شعوبا سهلة الذوبان في مجتمعات الغربة ، بينما هناك شعوب أخرى عصيّة عليه . طبعا المقصود بالذوبان – كما هو واضح – ليس التأقلم مع الوضع الجديد من حيث حسن الإختلاط بمجتمع الغربة ومحاولة مد الجسور مع بعض مؤسساته المدنية والمساهمة في بعض الأنشطة الخيرية التي تعود بالنفع عليه ومراعاة تطبيق القوانين ، إنما المقصود بالذوبان هو التنكر لكل عادات وتقاليد وتراث هذه الجنسيات والحرص الشديد على تشرّب العادات والتقاليد والثقافة الجديدة بحلوها ومرّها

لو سلطنا الضوء على المغتربين العرب مثلا : هل كل عاداتهم وتقاليدهم بالية حتى يتنكروا لها ؟ هل يفتقد تراثهم الى ما هو جميل ويمكن إضافته الى المجتمع الجديد ؟ أجزم بأن الإجابة على كلا السؤالين لا ، إذن لماذا هذه الروح الإنهزامية التي تميّز الكثير منهم ؟

أتساءل أحيانا عن الأسباب والدوافع الحقيقية وراء ضعف المغتربين العرب : هل يعود ذلك الى ضعف شخصياتهم نتيجة التعوّد على امتهانهم في بلدانهم الأم ؟ أو هو من باب (كل من يرى الناس بعين طبعه) ؟ فكما أنهم اعتادوا على الغاء الآخر المختلف في مجتمعاتهم الأصلية فإنهم يعتقدون أن المجتمعات الجديدة ستعاملهم بنفس الطريقة و(النفسية) ؟ فإذن لا بد من إظهار أنهم ليسوا مختلفون

أتذكر مرة أنه تم تنظيم احتفالا بمناسبة سعيدة لأحد الطلبة في احدى الحانات ، وعندما تم اخباري بالأمر باركت للطالب واعتذرت منه لعدم تمكني من الحضور شارحا له بأنني لا أشرب كوني مسلما ولا أستطيع الذهاب الى مثل تلك الأماكن ، فتقبّل صاحب الدعوة اعتذاري برحابة صدر ، وعند مغادرته سارع الي أحد الطلبة العرب وبادرني قائلا : برافو عليك إنّك امتلكت الشجاعة لتصارحه بالأمر ، فعندما وجّهوا لي الدعوة (والكلام له) قبلت ثم بدأت بالبحث عن حجج للتملص والإعتذار عن الحضور في اليوم (الموعود) ، فقلت له وأين الشجاعة في ذلك ؟ ولم كل هذا ؟ فهذا ليس مجتمعا عربيا ، فقط اشرح لهم الأسباب التي تمنعك من المشاركة ثم تقدّم بهدية بسيطة لصاحب المناسبة ، وستجد منه كل التفهم والتقدير ، ولن يفصل أحد رقبتك عن جسدك

من الواضح جدا أن من أسباب وجود الدول العربية في ذيل القائمة العالمية هو بعض العادات والتقاليد البالية التي جاءت نتيجة (التراث) العتيد والتاريخ المزوّر أو المبتور ، ولكن هذا لا يعني أبدا أننا لا نمتلك أي عادات وتقاليد وتراث يصلح للتمسك به وإظهاره للمجتمع الجديد : فهل تظنون بعض التصرفات البسيطة كالوقوف عند تحية شخص ما – مثلا - أمرا مدعاة للخجل ! وهل يعتبر تأجير صالة في الجامعة لإحياء يوم كويتي – مثلا - تعرض فيه بعض الصور القديمة والحديثة وتقدّم فيه بعض المشروبات والأطعمة الكويتية وتعرض فيه بعض الملابس التراثية – كالبشت – وإتاحة الفرصة لمن يرغب بالتصوير به أمرا معيبا ينبغي تجنّبه ! وماذا إذا أخبرك جارك الطاعن بالسن بأن رائحة الطعام القادمة من مطبخ شقتك زكيّة فهل يوجد ما يمنع أو يسبّب لك الخجل في أن تعطيه بعضا من هذا الطعام مع إخباره بأنك تفعل ذلك طبقا لعاداتك الموروثة ! وماذا عن القرقيعان ؟

أتذكر أنه في احدى السنوات كانت أعداد احدى الجاليات الخليجية كبيرة بحيث أنها حصلت على ترخيص لمسيرة أثناء شهر رمضان المبارك للإحتفال بالقرقيعان ، فهل هذا أيضا مدعاة للإنكفاء والتبرؤ

الزبدة : لا يوجد أي تعارض بين محاولة الإستفادة من ثقافة المجتمع الجديد وعدم تفويت الفرصة باستبدال بعض القيم والأفكار البالية من جهة ، ومن جهة أخرى الحرص على كل ما هو جميل وعلى كل ما يفتقده مجتمع الغربة الغارق في المادية . تكلّم عن أفكارك بحرية ولا تخجل منها ، وإن كنت ممن حباهم الله بخط جميل فلا تتردد بكتابة بعض الحكم والأشعار – مثلا – واعرضها على الآخرين واشرح لهم معانيها ، وإن كانت لديك القدرة المادية فلا تتردد في جلب بعض الأمور التراثية من بلدك (دلة القهوة – سدو – حلويات ...الى آخره) واعرضها على الآخرين ، وإن أسعفتك لغتك الجديدة فلا مانع من أن تشرح لهم بعض الجمل والمصطلحات العربية : أخبرهم بأنك تبدأ كل أعمالك ب (بسم الله الرحمن الرحيم) واشرح لهم معناها ، علّمهم تحيّتك الرسمية (السلام عليكم) وردّها (وعليكم السلام) مع توضيح المعنى ، أخبرهم بأن عطلتك الرسمية في بلدك هو يوم الجمعة واشرح لهم الأسباب ، اذكر لهم بعض من تفتخر بانتسابك لهم : فهذا إمامك علي بن أبي طالب - عليه السلام – خير مثال : اشرح لهم بعض ما ورد عنه مثل عهده لمالك الأشتر النخعي – عليه السلام – حين ولاه على مصر، ومثل بعض روائع حكمه وكلماته ، وإن دار حديث عن الأولاد والمشاكل التي يتسببون بها لوالديهم فاذكر لهم بعض الآيات والأحاديث التي تبيّن مكانة الأم والأب طبقا لمعتقداتك

لا تفوّت مثل هذه الفرصة الذهبية فربّما لن تسنح لك أخرى ، وسترجع الى بلدك بعد التخرج بإذن الله ، ولاحق على تكسير المجاديف

Wednesday, May 20, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة


الجزء الثالث : مطبخ الغربة


السلام عليكم

كتب هذا الجزء بمناسبة إعادة تشكيل (السَلَطة) التشريعية والتي تتكون بدورها من عدة لجان أو ما يطلق عليها مطبخ المجلس

لو سألني سائل : هل تعلمت أثناء الغربة أمورا أخرى الى جانب الدراسة ؟ فسيكون الجواب : طبعا ، وعلى رأس القائمة الطباخ

لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن أكوّن علاقة مع المطبخ ! فأيام زمان كانت كل خبراتي المطبخية مقتصرة على خبز وجبن وطماط ، وإذا تهوّرت وبعتها بيض مغلي ! ولم يدر بمخيلتي يوما من الأيام أن أحيط علما بأنواع القدور والبهارات والملاليس ، ولكن دوام الحال من المحال

قادني حظي السعيد للإقامة مع صديق عزيز لمدة معينة ، فتم الإتفاق معه على أن يعطيني دورة تدريبية لمدة إسبوع تقريبا في أساسيات الطباخ : يوم يقتصر فيه دوري على المتابعة وتسجيل الملاحظات والأعمال الشاقة (تقطيع البصل وغسيل الأواني) ، ويوم أستلم فيه دفة القيادة (يعني أجرّب مهاراتي الغذائية في المسكين) ، وكانت هذه الدورة هي الشرارة التي أخرجت المارد من القمقم

بعد نهاية هذه الدورة التدريبية القصيرة في مدتها لكن الغنية في محتواها كانت الوجبات التي تم اجتيازها بنجاح عبارة عن : عيش ودجاج ، عيش ولحم ، دقوس ، وحشو . بعد ذلك انفتحت الشهية لتلقي دورات خارجية مكملة ، فتمت الإستعانة بأحد الخبراء المخضرمين بعلوم المطبخ وأسراره للتعرف على طريقة طبخ العدس ومشتقاته (شوربة) . صحيح أنه الى هنا والمسألة محلية (على مستوى البيت فقط) ، ولكنها في نفس الوقت كانت نقطة الإنطلاقة الى العالمية بتشجيع من بعض الشباب للمساعدة في إعداد وجبات داخل مطبخ المركز الإسلامي ، وهي تجربة ولا بالأحلام ! فمن البيض والجبن والطماط لشخص واحد الى عيش (وفي قول آخر إسمه رز أو تمّن أو بِرِنْجْ) ودجاج و لحم وشوربة عدس للمئات من الأشخاص

ولأن تلميذ يؤمن بالتخصص ، فقد تخصّص بعد ذلك في علوم شوربة العدس ، حيث كان عنوان رسالته : المقادير والظروف المثلى لأشهى شوربة عدس ، وقد تم على أثره منح تلميذ درجة الدكتوراه الفخرية بشهادة (الداخلية) ولله الحمد والمنة . طبعا هذه الدكتوراه الفخرية ليست بلا ثمن ، فعلى أثر تخصص تلميذ الغذائي تم تكليفه في احدى المرات (من خلف الكواليس) من قبل الداخلية (مجبر أخاك لا بطل) لإعداد الشوربة ، يعني باختصار : كان يومها الجندي المجهول

يقال : مصائب قوم عند قوم فوائد ، لكن هل يمكن أن تنعكس الآية فتصبح : فوائد قوم عند قوم مصائب ؟ نعم يمكن ذلك ، فعلى الرغم من أن انفتاح تلميذ على ثقافة المطبخ أفادت الداخلية من جانب ، ولكنها تسببت لها بالضرر من جانب آخر ، فعندما كان تلميذ (العليمي) يستشار بخصوص رأيه في وجبة لم تعجبه ، لم يكن يستطيع أن يعبّر عن رأيه بوضوح ، ويكتفي بدلا من ذلك بقول : في شي غلط في الوجبة ، شنو ما أدري ! (يا غافلين لكم الله) ، أما عند استشارة تلميذ (المثقف) الآن فهويستطيع الكشف بسهولة عن مكامن الخلل في الوجبة : (الكمون ناقص ، معجون الطماط زايد ، الى آخر السلبيات) ، وعندها ترمقني الداخلية بنظرة قائلة : مو شي إذا الريال يفهم بالطباخ ، يا زينك قبل

نصيحة لكل الطلبة الذين هم على أبواب الغربة : استغلوا فترة ما قبل شد الرحال لتعلم أبجديات الطباخ من أسركم لأنكم ستحتاجوها فيما بعد ، هذا بالإضافة الى أن الطالب الملم بمهارات الطباخ يصبح أوتوماتيكيا الرقم الصعب بين أقرانه من باب الإنجعال
الله يوفق إخواننا المغتربين ويرجعهم سالمين غانمين الى الموائد العامرة

Sunday, May 10, 2009

الغربة وما أدراك ما الغربة

الجزء الثاني : هل يمكن للجوع أن يهذب الأنفس والأفكار ؟

السلام عليكم

من الأمور التي لا أنساها في صباي أنني عندما كنت أحضر بعض المناسبات الدينية كوفيّات أهل البيت - عليهم السلام - كنت أنظر الى بعض الصبية الأجانب بازدراء نتيجة اندفاعهم نحو العشاء ، فالهدف من المشاركة كما أفهم هو تقديم العزاء لأهل البيت - عليهم السلام - وتحصيل الثواب ، وقد استمرت هذه النظرة لسنوات طويلة الى أن ابتدأ امتحان الغربة

بعد فترة من تجربة الغربة بدأت هذه النظرة السلبية تتغيّر شيئا فشيئا ، كيف ذلك ؟

كنت أعود أحيانا من الجامعة متأخرا تعبا جائعا ويضطرني ضيق الوقت للذهاب مباشرة الى أحد المراكز الإسلامية للمشاركة في المناسبات الدينية ، وغالبا ما يعقب هذه المناسبات وجبة عشاء تكون من إعداد أبناء الجالية العراقية أو الإيرانية أو غيرهما ، عندها فقط عرفت شعور الصبية الذين كنت أزدريهم ، وانتبهت الى أمر غاب عني طوال سنوات : فصحيح أن (المؤمن لا يغلبه فرجه ولا يفضحه بطنه) كما يقول الإمام الصادق - عليه السلام - ولكن هذا لا ينافي تقدير وضع الإنسان المرهق الجائع وخصوصا الذي لا يعرف إن كان سيحصل على ما يسد رمقه أو لا ، ولا ينافي الرحمة بذلك الجائع ، وخصوصا أنني نسيت بأني من أسرة حباها الله تعالى بمختلف النعم ، وأنه لا يوجد في قاموسي كلمة جوع ، فكل الطلبات مجابة ، ولكن ماذا عن هؤلاء الصبية الفقراء ؟ وخصوصا أنهم مجرّد صبية ربما لم تتجاوز أعمارهم آنذاك الثانية عشر

والشيء بالشيء يذكر ، فأعرف إحدى العوائل التي اعتادت على إعداد الوجبات أثناء المناسبات الدينية والإعلان عنها في مسجد المنطقة (المعروفة بكثرة الوافدين فيها) ، وبنظرة سريعة على رواد البيت أثناء تلك الدعوات المفتوحة ، تكتشف بأن غالبية الحضور هم من الوافدين المساكين ، وعندما كنت أناقش أحد أفراد هذه العائلة الكريمة كنت أقول بأنه لهو أمر عظيم وسبب في أن تحل البركة على هذا البيت ، فكم هو جميل أن يكون أغلب المستفيدين من هذه الدعوات المفتوحة من لا تنتظر أصواتهم الإنتخابية ، وليس بينهم مفاتيح انتخابية ، وكم هو رائع أن لا تكون تلك الدعوات على علاقة بطلب الوجاهة لا من قريب ولا من بعيد ، ويا له من حظ عظيم أن يدعو لك من لا ترجو منه واسطة ولا ترقية . صحيح أن الكثير من هؤلاء العمال لهم القدرة على سد رمقهم ، ولكن صدقوني أن تجدوا وجبة شهية جاهزة بعد يوم طويل مضني وأنتم غرباء عن وطنكم أمر آخر لن تحسوا به الا عندما تعيشوا التجربة بأنفسكم

كم أتمنى من الله – عز وجل – أن تسود مثل هذه العادات الحميدة في كل أنحاء بلدنا عل وعسى تغسل ذنوبنا وتكون سببا في حل البركة علينا وعلى وطننا الذي امتلأ بكل ما يسلبها

والى اللقاء في الجزء الثالث