الجزء الثاني : هل يمكن للجوع أن يهذب الأنفس والأفكار ؟
السلام عليكم
من الأمور التي لا أنساها في صباي أنني عندما كنت أحضر بعض المناسبات الدينية كوفيّات أهل البيت - عليهم السلام - كنت أنظر الى بعض الصبية الأجانب بازدراء نتيجة اندفاعهم نحو العشاء ، فالهدف من المشاركة كما أفهم هو تقديم العزاء لأهل البيت - عليهم السلام - وتحصيل الثواب ، وقد استمرت هذه النظرة لسنوات طويلة الى أن ابتدأ امتحان الغربة
بعد فترة من تجربة الغربة بدأت هذه النظرة السلبية تتغيّر شيئا فشيئا ، كيف ذلك ؟
كنت أعود أحيانا من الجامعة متأخرا تعبا جائعا ويضطرني ضيق الوقت للذهاب مباشرة الى أحد المراكز الإسلامية للمشاركة في المناسبات الدينية ، وغالبا ما يعقب هذه المناسبات وجبة عشاء تكون من إعداد أبناء الجالية العراقية أو الإيرانية أو غيرهما ، عندها فقط عرفت شعور الصبية الذين كنت أزدريهم ، وانتبهت الى أمر غاب عني طوال سنوات : فصحيح أن (المؤمن لا يغلبه فرجه ولا يفضحه بطنه) كما يقول الإمام الصادق - عليه السلام - ولكن هذا لا ينافي تقدير وضع الإنسان المرهق الجائع وخصوصا الذي لا يعرف إن كان سيحصل على ما يسد رمقه أو لا ، ولا ينافي الرحمة بذلك الجائع ، وخصوصا أنني نسيت بأني من أسرة حباها الله تعالى بمختلف النعم ، وأنه لا يوجد في قاموسي كلمة جوع ، فكل الطلبات مجابة ، ولكن ماذا عن هؤلاء الصبية الفقراء ؟ وخصوصا أنهم مجرّد صبية ربما لم تتجاوز أعمارهم آنذاك الثانية عشر
والشيء بالشيء يذكر ، فأعرف إحدى العوائل التي اعتادت على إعداد الوجبات أثناء المناسبات الدينية والإعلان عنها في مسجد المنطقة (المعروفة بكثرة الوافدين فيها) ، وبنظرة سريعة على رواد البيت أثناء تلك الدعوات المفتوحة ، تكتشف بأن غالبية الحضور هم من الوافدين المساكين ، وعندما كنت أناقش أحد أفراد هذه العائلة الكريمة كنت أقول بأنه لهو أمر عظيم وسبب في أن تحل البركة على هذا البيت ، فكم هو جميل أن يكون أغلب المستفيدين من هذه الدعوات المفتوحة من لا تنتظر أصواتهم الإنتخابية ، وليس بينهم مفاتيح انتخابية ، وكم هو رائع أن لا تكون تلك الدعوات على علاقة بطلب الوجاهة لا من قريب ولا من بعيد ، ويا له من حظ عظيم أن يدعو لك من لا ترجو منه واسطة ولا ترقية . صحيح أن الكثير من هؤلاء العمال لهم القدرة على سد رمقهم ، ولكن صدقوني أن تجدوا وجبة شهية جاهزة بعد يوم طويل مضني وأنتم غرباء عن وطنكم أمر آخر لن تحسوا به الا عندما تعيشوا التجربة بأنفسكم
كم أتمنى من الله – عز وجل – أن تسود مثل هذه العادات الحميدة في كل أنحاء بلدنا عل وعسى تغسل ذنوبنا وتكون سببا في حل البركة علينا وعلى وطننا الذي امتلأ بكل ما يسلبها
والى اللقاء في الجزء الثالث
السلام عليكم
من الأمور التي لا أنساها في صباي أنني عندما كنت أحضر بعض المناسبات الدينية كوفيّات أهل البيت - عليهم السلام - كنت أنظر الى بعض الصبية الأجانب بازدراء نتيجة اندفاعهم نحو العشاء ، فالهدف من المشاركة كما أفهم هو تقديم العزاء لأهل البيت - عليهم السلام - وتحصيل الثواب ، وقد استمرت هذه النظرة لسنوات طويلة الى أن ابتدأ امتحان الغربة
بعد فترة من تجربة الغربة بدأت هذه النظرة السلبية تتغيّر شيئا فشيئا ، كيف ذلك ؟
كنت أعود أحيانا من الجامعة متأخرا تعبا جائعا ويضطرني ضيق الوقت للذهاب مباشرة الى أحد المراكز الإسلامية للمشاركة في المناسبات الدينية ، وغالبا ما يعقب هذه المناسبات وجبة عشاء تكون من إعداد أبناء الجالية العراقية أو الإيرانية أو غيرهما ، عندها فقط عرفت شعور الصبية الذين كنت أزدريهم ، وانتبهت الى أمر غاب عني طوال سنوات : فصحيح أن (المؤمن لا يغلبه فرجه ولا يفضحه بطنه) كما يقول الإمام الصادق - عليه السلام - ولكن هذا لا ينافي تقدير وضع الإنسان المرهق الجائع وخصوصا الذي لا يعرف إن كان سيحصل على ما يسد رمقه أو لا ، ولا ينافي الرحمة بذلك الجائع ، وخصوصا أنني نسيت بأني من أسرة حباها الله تعالى بمختلف النعم ، وأنه لا يوجد في قاموسي كلمة جوع ، فكل الطلبات مجابة ، ولكن ماذا عن هؤلاء الصبية الفقراء ؟ وخصوصا أنهم مجرّد صبية ربما لم تتجاوز أعمارهم آنذاك الثانية عشر
والشيء بالشيء يذكر ، فأعرف إحدى العوائل التي اعتادت على إعداد الوجبات أثناء المناسبات الدينية والإعلان عنها في مسجد المنطقة (المعروفة بكثرة الوافدين فيها) ، وبنظرة سريعة على رواد البيت أثناء تلك الدعوات المفتوحة ، تكتشف بأن غالبية الحضور هم من الوافدين المساكين ، وعندما كنت أناقش أحد أفراد هذه العائلة الكريمة كنت أقول بأنه لهو أمر عظيم وسبب في أن تحل البركة على هذا البيت ، فكم هو جميل أن يكون أغلب المستفيدين من هذه الدعوات المفتوحة من لا تنتظر أصواتهم الإنتخابية ، وليس بينهم مفاتيح انتخابية ، وكم هو رائع أن لا تكون تلك الدعوات على علاقة بطلب الوجاهة لا من قريب ولا من بعيد ، ويا له من حظ عظيم أن يدعو لك من لا ترجو منه واسطة ولا ترقية . صحيح أن الكثير من هؤلاء العمال لهم القدرة على سد رمقهم ، ولكن صدقوني أن تجدوا وجبة شهية جاهزة بعد يوم طويل مضني وأنتم غرباء عن وطنكم أمر آخر لن تحسوا به الا عندما تعيشوا التجربة بأنفسكم
كم أتمنى من الله – عز وجل – أن تسود مثل هذه العادات الحميدة في كل أنحاء بلدنا عل وعسى تغسل ذنوبنا وتكون سببا في حل البركة علينا وعلى وطننا الذي امتلأ بكل ما يسلبها
والى اللقاء في الجزء الثالث
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
ReplyDeleteأسأل الله العلي القدير أن يجعل ثمرة دعائك الإستجابة إن شاء الله
الفقير أخي دائما مزدرى، بمظهره و مأكوله و منطوقه
و لذالك ورد في الحديث القدسي أن الحق تبارك و تعالى ما مفاده
"المال مالي و الفقراء عيالي"
و القصد بالعيال هنا أنه هو جل و علا يتولاهم و يرعاهم
الغربة فعلا مشمولة بالكثير من صور التهذيب و لكن ليس للجميع، فقط لمن أراد أن يجد إلى ذالك سبيلا
و إحساسك ما هو إلا حياة في ظميرك
أدام الله عليك هذه النعمة و رزقنا إياها إن شاء الله
دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله
بو محمد
ReplyDelete------
مع الأسف الشديد نغفل فنحكم على خلق الله بمنظورنا الشخصي ، ونعتقد بأننا وكلاء حصريين لمكارم الأخلاق ولكن عندما نحتك بغيرنا بشكل مباشر نكتشف أنهم يملكون ما افتقدناه منذ سنوات طويلة
شاكرا ومقدرا لدعائكم
و عليكم السلام
ReplyDeleteهذا درس مجاني من الغربة في أن الإنسان تظل خصائصه الإنسانية فيه مهما حاول تغطيتها بخيراته
هناك جنبات مهما دفنّاها لابد و أن تظهر في وقت من الأوقات لسبب و هي أنها طبيعة إنسانية بحتة
في الرواية : طوبى للغرباء
أحد أسبابها باعتقادي لأن الغربة تكشف الإنسان على حقيقته لنفسه .. فيرى ما كان يتعامى عنه سابقا فيها
سفيد
ReplyDelete----
اقتباس : (هذا درس مجاني من الغربة...) . انتهى
انتظر الدرس القادم
:o)